فصل: تفسير الآيات (113- 115):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآية رقم (103):

{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)}
{خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً} روي: أنهم لما أُطْلِقُوا قالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا فتصدق بها وطهرنا فقال: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً» فنزلت. {تُطَهّرُهُمْ} من الذنوب أو حب المال المؤدي بهم إلى مثله. وقرئ: {تُطَهّرُهُمْ} من أطهره بمعنى طهره و{تُطَهّرُهُمْ} بالجزم جواباً للأمر. {وَتُزَكّيهِمْ بِهَا} وتنمي بها حسناتهم وترفعهم إلى منازل المخلصين. {وَصَلّ عَلَيْهِمْ} واعطف عليهم بالدعاء والاستغفار لهم. {إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم، وجمعها لتعدد المدعو لهم وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالتوحيد. {والله سَمِيعٌ} لاعترافهم. {عَلِيمٌ} بندامتهم.

.تفسير الآية رقم (104):

{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)}
{أَلَمْ يَعْلَمُواْ} الضمير إما للمتوب عليهم والمراد أن يمكن في قلوبهم قبول توبتهم والاعتداد بصدقاتهم، أو لغيرهم والمراد به التحضيض عليهما. {أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ} إذا صحت وتعديته ب {عَنْ} لتضمنه معنى التجاوز. {وَيَأْخُذُ الصدقات} يقبلها قبول من يأخذ شيئاً ليؤدي بدله. {وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم} وأن من شأنه قبول توبة التائبين والتفضل عليهم.

.تفسير الآية رقم (105):

{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)}
{وَقُلِ اعملوا} ما شئتم. {فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ} فإنه لا يخفى عليه خيراً كان أو شراً. {وَرَسُولُهُ والمؤمنون} فإنه تعالى لا يخفى عنهم كما رأيتم وتبين لكم. {وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة} بالموت. {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} بالمجازاة عليه.

.تفسير الآية رقم (106):

{وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106)}
{وَءاخَرُونَ} من المتخلفين. {مُرْجَونَ} مؤخرون أي موقوف أمرهم من أرجأته إذا أخرته. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص {مرجون} بالواو وهما لغتان. {لأَمْرِ الله} في شأنهم. {إِمَّا يُعَذّبُهُمْ} إن أصروا على النفاق. {وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} إن تابوا والترديد للعباد، وفيه دليل على أن كلا الأمرين بإرادة الله تعالى. {والله عَلِيمٌ} بأحوالهم. {حَكِيمٌ} فيما يفعل بهم. وقرئ: {والله غفور رحيم}، والمراد بهؤلاء كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم، فلما رأوا ذلك أخلصوا نياتهم وفوضوا أمرهم إلى الله فرحمهم الله تعالى.

.تفسير الآية رقم (107):

{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)}
{والذين اتخذوا مَسْجِدًا} عطف على {وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ}، أو مبتدأ خبره محذوف أي وفيمن وصفنا الذين اتخذوا أو منصوب على الاختصاص. وقرأ نافع وابن عامر بغير الواو {ضِرَارًا} مضارة للمؤمنين. وروي: «أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف، فبنوا مسجداً على قصد أن يؤمهم فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام فلما أتموه أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد بنينا مسجداً لذي الحاجة والعلة والليلة المطيرة والشاتية فصل فيه حتى نتخذه مصلى فأخذ ثوبه ليقوم معهم فنزلت، فدعا بمالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن والوحشي فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعل واتخذ مكانه كناسة» {وَكُفْراً} وتقوية للكفر الذي يضمرونه. {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين} يريد الذي كانوا يجتمعون للصلاة في مسجد قباء. {وَإِرْصَادًا} ترقباً. {لّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} يعني الراهب فإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين حتى انهزم مع هوازن وهرب إلى الشام ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بقنسرين وحيداً، وقيل كان يجمع الجيوش يوم الأحزاب فلما انهزموا خرج إلى الشام. و{مِن قَبْلُ} متعلق ب {حَارَبَ} أو ب {اتخذوا} أي اتخذوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف، لما روي أنه بني قبيل غزوة تبوك فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فقال: أنا على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه فلما قفل كرر عليه. فنزلت {وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى} ما أردنا ببنائه إلا الخصلة الحسنى أو الإرادة الحسنى وهي الصلاة والذكر والتوسعة على المصلين {والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون} في حلفهم.

.تفسير الآية رقم (108):

{لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)}
{لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} للصلاة. {لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التقوى} يعني مسجد قباء أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام مقامه بقباء من الاثنين إلى الجمعة لأنه أوفق للقصة، أو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أبي سعيد رضي الله عنه: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال هو مسجدكم هذا مسجد المدينة» {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} من أيام وجوده ومن يعم الزمان والمكان كقوله:
لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنةِ الحَجَر ** أَقَوَيْنَ مِنْ حجَجِ وَمِنْ دَهرٍ

{أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} أولى بأن تصلي فيه. {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} من المعاصي والخصال المذمومة طلباً لمرضاة الله سبحانه وتعالى، وقيل من الجنابة فلا ينامون عليها. {والله يُحِبُّ المطهرين} يرضى عنهم ويدنيهم من جنابه تعالى إدناء المحب حبيبه. قيل لما نزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال عليه الصلاة والسلام: «أمؤمنون أنتم» فسكتوا.. فأعادها فقال عمر: إنهم مؤمنون وأنا معهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «أترضون بالقضاء» قالوا: نعم. قال عليه الصلاة والسلام: «أتصبرون على البلاء» قالوا: نعم، قال: «أتشكرون في الرخاء» قالوا: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم: «أنتم مؤمنون ورب الكعبة» فجلس ثم قال: «يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط» فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا النبي: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} بنيان دينه. {على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ} على قاعدة محكمة هو التقوى من الله وطلب مرضاته بالطاعة. {أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها. {فانهار بِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ} فأدى به لخوره وقلة استمساكه إلى السقوط في النار، وإنما وضع شفا الجرف وهو ما جرفه الوادي الهائر في مقابلة التقوى تمثيلاً لما بنوا عليه أمر دينهم في البطلان وسرعة الانطماس، ثم رشحه بانهياره به في النار ووضعه في مقابلة الرضوان تنبيهاً على أن تأسيس ذلك على أمر يحفظه من النار ويوصله إلى رضوان الله ومقتضياته التي الجنة أدناها، وتأسيس هذا على ما هم بسببه على صدد الوقوع في النار ساعة فساعة ثم إن مصيرهم إلى النار لا محالة. وقرأ نافع وابن عامر {أَسَّسَ} على البناء للمفعول. وقرئ: {أساس بنيانه} و{أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} على الإِضافة و{أَسَّسَ} و{آساس} بالفتح والمد و{إساس} بالكسر وثلاثتها جمع أس، و{تَقْوَى} بالتنوين على أن الألف للإِلحاق لا للتأنيث كتترى، وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر {جُرُفٍ} بالتخفيف. {والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} إلى ما فيه صلاحهم ونجاحهم.

.تفسير الآيات (109- 112):

{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)}
{لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذي بَنَوْاْ} بناؤهم الذي بنوه مصدر أريد به المفعول وليس بجمع ولذلك قد تدخله التاء ووصف بالمفرد وأخبر عنه بقوله: {رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ} أي شكا ونفاقاً، والمعنى أن بناءهم هذا لا يزال سبب شكهم وتزايد نفاقهم فإنه حملهم على ذلك ثم لما هدمه الرسول صلى الله عليه وسلم رسخ ذلك في قلوبهم وازداد بحيث لا يزول وسمه عن قلوبهم. {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} قطعاً بحيث لا يبقى لها قابلية الإِدراك وهو في غاية المبالغة والاستثناء. من أعم الأزمنة. وقيل المراد بالتقطع ما هو كائن بالقتل أو في القبر أو في النار. وقيل التقطع بالتوبة ندماً وأسفاً. وقرأ يعقوب {إلى} بحرف الانتهاء و{تُقَطَّعَ} بمعنى تتقطع وهو قراءة ابن عامر وحمزة وحفص. وقرئ: {يقطع} بالياء و{تُقَطَّعَ} بالتخفيف و{تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} على خطاب الرسول، أو كل مخاطب ولو قطعت على البناء للفاعل والمفعول. {والله عَلِيمٌ} بنياتهم. {حَكِيمٌ} فيما أمر بهدم بنيانهم.
{إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة} تمثيل لإثابة الله إياهم الجنة على بذل أنفسهم وأموالهم في سبيله. {يقاتلون في سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} استئناف ببيان ما لأجله الشراء. وقيل: {يقاتلون} في معنى الأمر. وقرأ حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول وقد عرفت أن الواو لا توجب الترتيب وأن فعل البعض قد يسند إلى الكل. {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا} مصدر مؤكد لما دل عليه الشراء فإنه في معنى الوعد. {فِي التوراة والإنجيل والقرءان} مذكوراً فيهما كما أثبت في القرآن. {وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله} مبالغة في الإِنجاز وتقرير لكونه حقاً. {فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ} فافرحوا به غاية الفرح فإنه أوجب لكم عظائم المطالب كما قال: {وذلك هُوَ الفوز العظيم}.
{التائبون} رفع على المدح أي هم التائبون، والمراد بهم المؤمنون المذكورون ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره التائبون من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا لقوله: {وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى} أو خبره ما بعده أي التائبون عن الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال. وقرئ بالياء نصباً على المدح أو جراً صفة للمؤمنين. {العابدون} الذين عبدوا الله مخلصين له الدين. {الحامدون} لنعمائه أو لما نابهم من السراء والضراء. {السائحون} الصائمون لقوله صلى الله عليه وسلم: «سياحة أمتي الصوم» شبه بها لأنه يعوق عن الشهوات أو لأنه رياضة نفسانية يتوصل بها إلى الاطلاع على خفايا الملك والملكوت، أو السائحون للجهاد أو لطلب العلم. {الركعون الساجدون} في الصلاة. {الآمرون بالمعروف} بالإِيمان والطاعة. {والناهون عَنِ المنكر} عن الشرك والمعاصي، والعاطف فيه للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة كأنه قال: الجامعون بين الوصفين، وفي قوله تعالى: {والحافظون لِحُدُودِ الله} أي فيما بينه وعينه من الحقائق والشرائع للتنبيه على أن ما قبله مفصل الفضائل وهذا مجملها. وقيل إنه للايذان بأن التعداد قد تم بالسابع من حيث أن السبعة هو العدد التام والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه ولذلك سمي واو الثمانية. {وَبَشّرِ المؤمنين} يعني به هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل، ووضع {المؤمنين} موضع ضميرهم للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك وحذف المبشر به للتعظيم كأنه قيل: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام وتعبير الكلام.

.تفسير الآيات (113- 115):

{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115)}
{مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} روي: أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب لما حضرته الوفاة: «قل كلمة أحاج لك بها عند الله» فأبى فقال عليه الصلاة والسلام: «لا أزال استغفر لك ما لم أنه عنه» فنزلت وقيل لما افتتح مكة خرج إلى الأبواء فزار قبر أمه ثم قام مستعبراً فقال: «إني استأذنت رب في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل علي الآيتين» {وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم} بأن ماتوا على الكفر، وفيه دليل على جواز الاستغفار لاحيائهم فإنه طلب توفيقهم للإِيمان وبه دفع النقيض باستغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأَبيه الكفار فقال: {وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} وعدها إبراهيم أباه بقوله: {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} أي لأطلبن مغفرتك بالتوفيق للإيمان فإنه يجب ما قبله، ويدل عليه قراءة من قرأ {أباه}، أو {وعدها إبراهيم أبوه} وهي الوعد بالإِيمان {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ} بأن مات على الكفر، أو أوحي إليه بأنه لن يؤمن {تَبَرَّأَ مِنْهُ} قطع استغفاره. {إِنَّ إبراهيم لأَوَّاهٌ} لكثير التأوه وهو كناية عن فرط ترحمه ورقة قلبه. {حَلِيمٌ} صبور على الأذى، والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له مع شكاسته عليه.
{وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً} أي ليسميهم ضُلاَّلاً ويؤاخذهم مؤاخذتهم {بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} للإِسلام. {حتى يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} حتى يبين لهم خطر ما يجب اتقاؤه، وكأنه بيان عذر الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله لعمه أو لمن استغفر لأسلافه المشركين قبل المنع. وقيل إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر ونحو ذلك، وفي الجملة دليل على أن الغافل غير مكلف. {إَِنَّ الله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فيعلم أمرهم في الحالين.